عفيف تكتب: “بكم وبلا بكم”… حين تتكلم الحكومة بلغة العجرفة والاستعلاء
ثورية عفيف*
ليس من السهل المرور مرور الكرام على جواب وزير الصناعة والتجارة وهو يرد على مداخلات برلمانية خلال جلسة الاسئلة الشفهية ليوم الاثنين 02 فبراير 2026، حذرت من الغلاء المتوحش وعجز الحكومة عن حماية القدرة الشرائية، حين قال بلهجة تنم عن قدر كبير من العجرفة السياسية: «سنقوم بذلك بكم وبلا بكم».
فهنا لا نتحدث عن اختلاف في التقدير، بل عن خطاب يضرب في العمق معنى الرقابة البرلمانية، ويختزل المؤسسات الدستورية في مجرد رقم زائد يمكن الاستغناء عنه.
هذا التصريح ليس فقط مستفزا، بل خطير سياسيا ودستوريا. لأن الوزير، وهو عضو في حكومة مسؤولة أمام البرلمان، اختار أن ينصّب نفسه فوق المساءلة، متحدثا بمنطق الوصاية لا بمنطق المسؤولية. وكأن النواب، الذين عبروا عن غضب الشارع وقلق الأسر المغربية، أصبحوا في نظره عائقا بدل أن يكونوا شركاء في تصحيح الاختلالات.
والحقيقة التي يحاول الوزير القفز عليها، هي أن الغلاء لم ينزل من السماء، بل نتيجة مباشرة لفشل حكومي ممتد لأكثر من أربع سنوات. أربع سنوات لم تنجح فيها الوزارة في ضبط الأسواق، ولا في تفكيك شبكات المضاربة والوسطاء والفراقشية، ولا في فرض شفافية حقيقية على سلاسل الإنتاج والتوزيع. فكيف يستقيم بعد كل هذا الفشل أن يتحدث الوزير بلغة التحدي؟
لو كانت المراقبة فعالة، لما واصل المضاربون العبث بقوت المغاربة.
لو كانت الإرادة السياسية حاضرة، لما تحول الدعم العمومي إلى أرباح إضافية للوسطاء بدل أن يصل إلى المواطن.
ولو كان التدبير ناجعا، لما امتلأت الجلسة البرلمانية اليوم بتحذيرات النواب وتنبيهاتهم.
إن عبارة “بكم وبلا بكم” لا تعكس فقط انفعالا لحظيا، بل ذهنية كاملة ترى في البرلمان مؤسسة شكلية، وتعتبر النقد السياسي إزعاجا يجب تجاوزه. وهي ذهنية تضرب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتغذي الإحساس العام بأن الحكومة تشتغل خارج أي رقابة حقيقية.
الأخطر من الغلاء في الأسعار، هو غلاء الاستهتار بالمؤسسات. فحين يتجرأ وزير على مخاطبة ممثلي الأمة بهذا المنطق، فهو يبعث برسالة سلبية للمواطنين مفادها أن صوتهم، المنقول عبر نوابهم، بلا وزن.
إن المطلوب اليوم ليس استعراض العضلات اللفظية، ولا إطلاق عبارات التحدي، بل الاعتراف بالفشل، وتحمل المسؤولية السياسية كاملة. لأن الحكومة التي تقول “بكم وبلا بكم”، هي حكومة تعترف ضمنيا بأنها لا ترى في الرقابة سوى عبء، ولا في البرلمان سوى ديكور.
والسؤال الجوهري الذي يظل معلقا:
إذا كان الوزير قادرا على حماية القدرة الشرائية بلا برلمان، فلماذا لم يفعل ذلك طيلة أربع سنوات؟
*عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية





























