تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
image عفيف تكتب: الجبل … بين حصار الثلوج واستمرار الإهمال الحكومي
A | A+ | A- |

عفيف تكتب: الجبل … بين حصار الثلوج واستمرار الإهمال الحكومي

ثورية عفيف*

في الجبل لا يقاس الشتاء بدرجات الحرارة ولا بكمية التساقطات الثلجية، بل بعدد الأيام التي يحاصر فيها السكان داخل دواويرهم، وبعدد الأرواح التي تغامر في صمت، وبحجم المعاناة التي تتكرر دون مساءلة. من الأطلس المتوسط إلى الأطلس الكبير والريف، يتحول فصل الشتاء كل سنة إلى اختبار قاس لحق أساسي: الحق في الحياة.

فمع كل موجة ثلوج أو أمطار غزيرة، يتكرر السيناريو نفسه في مختلف المناطق الجبلية: طرق مقطوعة، دواوير معزولة، وسكان يتركون لمواجهة البرد والعزلة وكأنهم خارج خريطة الوطن. في الجبل، لا يعني انقطاع الطريق فقط تعطل التنقل، بل يعني عمليا تعليق العلاج، وتأجيل النجاة، وربط الحق في الحياة بذوبان الثلوج.

مرضى ينقلون على النعوش أو على ألواح خشبية، محمولين على الأكتاف لمسافات طويلة وسط الثلوج، بحثا عن مستوصف أو سيارة إسعاف قد لا تصل أبدا. مرضى تصفية الكلي يحرمون من حصصهم الحيوية، فتتحول المعاناة اليومية إلى خطر داهم يهدد أرواحهم. نساء حوامل يجبرن على الولادة في البيوت أو في ظروف قاسية تمس الكرامة الإنسانية، وتلاميذ يحاصرون في دواويرهم، محرومين من حقهم في التعليم.

هذه المشاهد لا تخص منطقة بعينها، بل تتكرر كل شتاء في جبال أزيلال وبني ملال وخنيفرة، حيث تعيش دواوير عزلة طويلة، حيث تقطع الطرق ويحاصر السكان لأيام، كما في مناطق جبلية أخرى، مشاهد متشابهة، ومآس واحدة، تؤكد أن الإقصاء المجالي سياسة غير معلنة.

هنا يتجسد مغرب السرعتين بأوضح صوره: مغرب تشيد فيه الطرق السريعة وتطلق فيه المشاريع الكبرى، ومغرب جبلي ينقل فيه المرضى على الأكتاف، وتعلق فيه الحياة إلى حين تحسن الطقس.

والأخطر من قسوة الطبيعة هو استمرار غياب المقاربة الاستباقية؛ فالحكومة تعرف هشاشة الجبال، وتعرف أن الثلوج ستأتي، لكنها لا تعبئ ما يكفي من الجرافات، ولا تؤمن مخزونات كافية من المواد الأساسية، ولا تضمن خدمات صحية متنقلة قادرة على التدخل السريع.

وعندما تقع الكارثة، يكتفى ببلاغات مطمئنة وتدخلات متأخرة، لا تنقذ الأرواح ولا تعفي من المسؤولية. وفي ظل هذا الواقع، يظل قانون الجبل حبيس الرفوف، مؤجلا دون مبرر، رغم أنه كان يمكن أن يشكل إطارا تشريعيا لتنمية منصفة، تنهي هذا التهميش المزمن، وتأخذ بعين الاعتبار خصوصيات العيش في الجبل.

إن ما يحدث في الجبال  نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية وتنموية جعلت من الجبل هامشا دائما، ومن ساكنته مواطنين يطلب منهم الصبر بدل الحقوق. فكرامة المواطن لا يجب أن تدفن تحت الثلج، والحق في العلاج والتنقل لا ينبغي أن يكون رهين النشرات الجوية.

لقد آن الأوان لوقف هذا النزيف الصامت، بإخراج قانون الجبل إلى حيز التنفيذ، وباستثمار حقيقي في فك العزلة عن كل الدواوير الجبلية، من أزيلال وبني ملال إلى خنيفرة وباقي مناطق الأطلس والريف، لا بالشعارات، بل بالطرق، وبالخدمات الصحية القريبة، وبالجاهزية التي تسبق الكارثة بدل أن تلحق بها.

فالجبال ليست هامشا، وساكنتها ليست مواطنين من درجة ثانية.

*عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية
 

/ تاريخ النشر 2025-12-31
آخر المستجدات

جريدة المجموعة